هل نضع نقطة في آخر سطر مصطفى راشد؟.. رسالة جديدة من أستراليا تفضح "الشيخ النصاب"
الأربعاء، 26 سبتمبر 2018 06:16 م
هناك صنف من الناس يجهلون، ويجهلون أنهم يجهلون، وهؤلاء أكثر أنواع البشر انحطاطًا وأقلّهم عقلاً. تتفاقم المعضلة إذا طالت تلك الحالة من يدّعون اتصالا بالدين، ويتحدّثون باسمه، ويتكسّبون به. هنا يصبح الأمر مأساة مكتملة الأركان.
وفق حقيقة أن لكل مقام مقالا، وأن لكل ما يختاره الشخص تبعات والتزامات. يتعين على رجال الدين أن يتجنّبوا الشبهات، وإن استشعروا موطن شبهة عليهم مجاوزته إلى مساحة أكثر نظافة وأمنًا وسلامًا. هذا هو الطبيعي والمنطقي، وغير المفهوم أن يلجأ رجال الدين والدعوة إلى الشبهة عامدين مُختارين، وأن يُفتّشوا عن مواطن الريبة والشكّ ليسكنوها.. هذا كفيل بالنظر في الأمر برُمّته، فإما أن الداعية لا يُوقّر ما يقول، أو أنه يُوظّفه لأغراض وغايات غير ما خُلِقَ له، وفي الحالين نحن أمام عملية "نصب".
الشيخ مصطفى راشد واحد من المُعمّمين الذين يدّعون الانتساب للأزهر، في الوقت الذي يتبرّأ فيه الأزهر منه، بحسب بيان، وبعيدا عن حقيقة مرجعيته وانتمائه للمؤسسة الدينية الرسمية في مصر، فإن خطاب "راشد" يظل واحدًا من أكثر الخطابات إرباكًا وتخبّطًا، وبقدر من المتابعة العابرة سيكون من اليسير على الناس اكتشاف أنه إرباك مُتعَمّد، وتخبّط مقصود، وأن الرجل الذي يرى أنه داعية وإمام وفقيه، يُمارس في حقيقة الأمر تضليلا وتشويهًا واضحين لمفاهيم عقلية وعلمية أوّلية، ولا يُمكن - إن كان واعيًا بما يفعل - أن يفترض الناظر في سيرته حُسن النية. يبدو الرجل كما لو كان قاصدًا صُنع سحابة من اللغط، وترك الناس في سوادها يتخبّطون.
ضمن إفرازات المرحلة المرتبكة التي عاشتها مصر في السنوات الأخيرة، خرج علينا الشيخ مصطفى راشد عبر منصّات إعلامية مصرية، مُدّعيًا أنه مفتى أستراليا. وبدأ سيل من الفتاوى الغريبة والآراء الشاذة، ولم تكن المشكلة في غرابة التأسيس العقلي والنقلي للاجتهاد وصولاً إلى إنتاج فهم جديد للنص واستنباط حُكم مغاير لما درج عليه السابقون، وإنما كانت المشكلة الأكبر في تجاوز المُحدّدات الأولية للاشتباك مع النصوص، وتجاهل الأمور الأولى بالنظر عبورًا إلى الأمور الأكثر إثارة للجدل.
تلويث العمامة وتشويه العلمانية
تتجلّى المفارقة الأولى في مشهد مصطفى راشد، في حفاظه الراسخ على الزي الأزهري التقليدي، وفي الوقت نفسه محاولة الاقتراب من الحيّز العلماني في التفكير والتعامل مع ملف العقيدة. حقيقي أن كثيرين من ذوي الرأي لا يرون تعارضا بين الدين والعلمانية، لكن "راشد" الذي يظهر بهيئة شديدة التقليدية، ينحاز لتصوّر متطرف للعلمانية. يُوجّه الاهتمام بالأساس إلى أمور عرضيّة وليست من مفصليات الواقع ولا هموم الناس المباشرة.
دارت أغلب فتاوى مصطفى راشد حول أمور تبدو هامشية، بالنظر إلى حيّز حضورها في المشهد العام. سواء في حديثه عن الزنا وبحثه عن قراءة مغايرة تبدو أكثر انفتاحا وتحرّرًا، أو حديثه عن الخمر، أو إقراره للحج في سيناء مقابل الحج لبيت الله الحرام في مكة، أو تناوله لقضايا المثلية، أو تصريحه بشكوكه في الإسلام وتجنّبه لدعوة الناس له، في وقت يُقدّم نفسه فيه باعتباره داعية بالأساس. هنا لا يبدو "راشد" في القراءة العميقة إماما أو فقيهًا، وإنما يقع في منطقة تماس بين المُقرّ بالإسلام والمتمرّد عليه. كأنه يقف على خط الدائرة لا داخلها ولا خارجها.
لا ينسجم خطاب "راشد" الملاصق للتصورات المتطرفة لدى بعض المدارس العلمانية مع زيّه الأزهري وعمامته البيضاء. وفي الوقت نفسه لا يتماشى هذا السمت الظاهري والهيئة التي اختارها لإطلالته مع عقله المنحاز لتصورات عابرة للنص، أو لميراث قراءته وفهمه. هكذا يبدو الرجل كمن يُلوّث العمامة الأزهرية بخطاب متصادم مع ظهيرها الفكري وتراثها المعرفي، وفي الوقت نفسه يُشوّه العلمانية بالاتكاء على تصوّرات متطرفة منها في إنتاج خطاب ديني مُتحرّر، متجاهلا أن انحياز العلمانية الأساسي للإبقاء على العقيدة كمسألة شخصية، وتجنّب استدعائها للمجال العام.
هذه الجدلية دفعت كثيرين من الناس للتعامل مع مصطفى راشد على صورتين. المحافظون والأزهريون يرونه جاهلا ومُدّعيًا ولا يفقه في الدين وعلومه، والحداثيون والليبراليون يرونه رجّعيًّا متورّطًا في فهم مغلوط ومُنتجًا لخطاب مُشوّه. وبين الطرفين فريق يتهم الأزهر بتخريج عقليات مُنحرفة تجاور زملاءها المتطرفين وحملة الخطاب المتشدد، وتتهم العلمانيين بتشويه الخطاب الديني واستهداف الإسلام من داخله. ووسط كل هؤلاء يقف آحاد من الناس مُتّهمين مصطفى راشد بالتدليس والتلبيس و"النصب"، بمعنى أنه يوظّف الدين لتحقيق مكاسب شخصية، ويُعلن عن بضاعة ويبيع للناس شيئا آخر. يقول الرجل إنه داعية وفقيه، ويبيع بلبلة وسطحية وتلفيقًا فكريًّا ومعرفيًّا.
الإمام الأكبر أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف
رسالة أسترالية تفضح "الشيخ النصاب"
بيان جمعية الصداقة المصرية الأسترالية
السفير محمد خيرت سفير مصر في أستراليا
شيخ مزيف يُسيء للمسلمين
حفل افتتاح مهرجان الجونة السينمائي
افتتاح مهرجان الجونة السينمائي
رحلة البحث عن "الشو"
مصطفى راشد مع نجيب ساويرس في حفل افتتاح مهرجان الجونة السينمائي
حكاية "الشيخ المشبوه"
بحسب الأوراق الرسمية فقد حصل مصطفى راشد على ليسانس الشريعة والقانون من كلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر فرع دمنهور في العام 1987. وطوال أكثر من 31 سنة تالية لم يُعرف عن الرجل أن له حضورًا علميا أو أكاديميا بارزا. الجانب الأكبر من هذه العقود الثلاثة قضاه "راشد" نكرة مجهولا لا يعرفه أحد، حتى أطلّ على المصريين بشكل مفاجئ قبل عدّة سنوات، من باب الفتاوى الغريبة والآراء الشاذة والفرقعات الفقهية والإعلامية.
يدّعي مصطفى راشد أنه حاصل على درجة الدكتوراة. هذا الأمر لا تُثبته سجلات جامعة الأزهر، ولم يكشف "راشد" هوية الجامعة التي منحته هذه الدرجة حسبما يدّعي، ولا شهادة الدكتوراة الموثّقة، بل لم يكشف في كل ادعاءاته وردوده عن شهادة تؤكد حصوله على درجة الماجستير. الأمر أشبه بسرّ حربي لا يبوح به الداعية المُحاط بالشبهات، فإما أنه يكذب في مسألة حصوله على الدكتوراة، أو أنه حصل على شهادة غير موثّقة من جامعة لا جدارة لها. ويكتفي باستخدام المُسمّى متجنّبًا الإفصاح عن التفاصيل حتى لا تنكشف كذبته. يظل الأمر مطروحا للشك ومُحاطا بالشبهة، مثل أغلب تحرّكات وادعاءات مصطفى راشد، ولا حسم له إلا ببيّنة واضحة، ولا معنى للصمت إلا الإقرار باختلاق هذه الألقاب والدرجات.
ضمن قائمة الاختلاقات أيضًا يدّعي مصطفى راشد أنه مفتي أستراليا وإمام أحد مساجدها الكبرى. في هذا الادعاء انتحل الرجل سابقًا صفة الشيخ عبد العظيم العفيفي الذي شغل موقع المفتي الفعلي للقارة الأسترالية قبل رحيله منذ فترة قريبة. وينتحل الآن صفة الدكتور إبراهيم أبو محمد، الذي يشغل موقع المفتي بصفة مؤقتة لحين انتخاب خليفة للراحل العفيفي. كما يدّعي أنه درّس في عشرات الجامعات. مقابل ادّعائه هناك خطاب من جمعية الصداقة المصرية الأسترالية في ملبورن، ومن مجلس أئمة أستراليا للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر، خلال يوليو الماضي، ينفي توهّمات الرجل عن نفسه، ويطالب بمنع ظهوره إعلاميًّا.
عبد العظيم العفيفي مفتي أستراليا الراحل
الشيخ "وان مان شو"
لعلّ المشكلة الأبرز لدى مصطفى راشد في تقديره المبالغ فيه لنفسه. يرى الرجل أنه عالم وفقيه وإمام وداعية وصاحب إجازة بالإفتاء، كما يعتبر نفسه شاعرًا ولغويًّا وأكاديميًّا وسياسيًّا وداعية سلام. ستجده يُعرّف نفسه بأنه رئيس مؤسسة الضمير التابعة للأمم المتحدة، ورئيس مجلس السلام العالمي، وسفير السلام. وبموجب هذا التقدير الزائف يقبل دعوات من مؤسسات دولية ذات طبيعة سياسية، ويتحدث في العلم والفن والفقه والأدب، ولا يُفوّت محفلا أو مناسبة للظهور. المهم أن يكون في الصورة، وأن يُشبع غريزة الـ"وان مان شو".
ضمن ادعاءاته العديدة يقول راشد إنه شاعر. أصدر الرجل بالفعل ديوانًا يحمل اسم "العربي الحر"، استدعى فريدة الشوباشي وشريف الشوباشي ونبيل فاروق لتقديمه. وبعيدًا عن أن الثلاثة لا علاقة لهم بالشعر ولا تُقبل شهادتهم الفنية فيه، فإن وريقات "راشد" التي اعتبرها ديوانًا تبدو سخيفة وسطحية وتافهة ومقطوعة الصلة بالشعر، أقرب إلى خطبة جمعة ساذجة لشيخ مُبتدئ، مُعبّأة بمئات الأخطاء اللغوية، نحويًّا وإملائيًّا، وفقيرة تمامًا في البلاغة والخيال والأفكار، وخارج الإيقاع الموسيقي المعروف للشعر العربي. يجتهد الرجل طوال الوقت ليكتب شعرًا موزونًا مُقفّى كما يكتب الشعراء، لكنه لا يكتب شعرًا ولا يُحسن وزنًا ولا قافية، مجرد موضوع تعبير تافه لطفل محدود الوعي والقدرات. وما يفعله الداعية الوهمي أو الدكتور الذي لا دليل على "دكترته" في الشعر، هو نفسه ما يفعله في الفقه والدعوة والعلوم الإسلامية.
لا يجيد مصطفى راشد إقامة جملة سليمة لغويًّا أو عروضيًّا، يُنشئ المعاني إنشاء خطابيًّا كما يليق بمبتدئ يصعد المنبر للمرة الأولى، لا بلاغة ولا خيال ولا تصوير ولا استقامة للمعنى والمبنى. كما لا يعرف أن هناك علمًا التمسه الخليل بن أحمد الفراهيدي من أشعار العرب الأوائل اسمه "علم العروض"، دوره ضبط إيقاع الشعر وموسيقاه. يكتب "راشد" كما يكتب تلاميذ الابتدائي موضوعات التعبير الساذجة، ثم يطبع هذا الهراء في كتاب يحمل وصف "ديوان شعر"، ثم يتبجّح حينما يرى القراء إنه ليس شعرًا ولا كتابة ولا يحزنون، وما فيه ينمّ عن جهل لا علم، وعن ادّعاء وابتداع لا عن أصالة وإبداع.
يجوع الحرّ ولا يأكل بعمامته
قبل عدة أيام نشر الزميل أيمن عبد التواب مقال رأي في "صوت الأمة"، يُبدي فيه دهشته من حضور مصطفى راشد حفل افتتاح الدورة الثانية لمهرجان الجونة السينمائي، ويرى أن ما يفعله "راشد" يرتقي إلى درجة التلبس والتدليس والنصب. كان ردّ المُفتي المُدّعي عنيفًا ومتجاوزًا للعقل والأدب، وفي الوقت الذي يتعامل فيه مع ناقديه المصريين بهذه الصورة المتطرفة، يصمت تمامًا عن اتهامه بالادعاء والكذب والتزييف و"النصب" من أفراد ومؤسسات رسمية وأهلية بأستراليا، ويتجاوز براءة الأزهر واتهامه له بالافتئات على الدين وتشويه الفقه، وكأنه لم يسمعه. وبجانب هذا يواصل التكسّب بعمامته الأزهرية، ويواصل تلويثها بأفكاره السطحية المتطرفة، ويخصم من جهود التنوير والتحديث بتشويه صورة المدنية في عيون المحافظين والمتشددين.
يأكل مصطفى راشد بعمامته، بينما يُفترض أن "يجوع الحرّ ولا يأكل بعمامته". ويتهم الجميع باستهدافه والترصّد له، بينما يتجاوز في حق الجميع، الدين والفقه والأزهر والمدنية، والمتلقين الأبرياء الذين يواجهون سطحيّته وجرائمه الفكرية، وربما يتعاملون معها بجدّية توقيرًا للعمامة التي يتربّح بها. ورغم هذا لا يملّ الرجل ممارساته المشبوهة التي فاحت روائحها، ولا يتوقف أمام كل انتقاد جديد، وكل فضيحة يحملها بيان، وكل شهادة ممن تعاملوا معه أو اتّصلوا به عن قُرب. الأزهر وجمعية الصداقة المصرية الأسترالية ومنى رضوان وعشرات غيرهم.
منى رضوان رئيس جمعية الصداقة المصرية الأسترالية
قبل أن يتّهم مصطفى راشد ناقديه المُشكّكين في إمامته ودرجته العلمية وفهمه الديني، عليه الردّ على مؤسسة الأزهر التي أصدرت بيانًا رسميًّا للتبرّؤ منه، وقالت فيه نصًّا إن ما يصدر عنه "فتاوى وأفكار غريبة وشاذة لا تمُتّ للدين الإسلامي بصلة" مؤكّدة أن "المدعو لا علاقة له بالأزهر من قريب أو بعيد، وأن الأزهر الشريف لا يوجد له مَن يُمثّله فى أستراليا، كما أن ادعاءه أنه مفتي أستراليا محض كذب وافتراء، لأن أستراليا لا يوجد بها هذا المنصب على الإطلاق". والرد أيضًا على بيان مجلس الأئمة في أستراليا، نشرته الزميلة "الوطن" في 16 يوليو 2018، يُعلن فيه "كذب وافتراء مصطفى راشد" بحسب نص البيان.
لن يتوقف الرجل عن إنتاج وترويج خطابه المشبوه، ولا عن ممارساته المُضلّلة والمُربكة للناس. هذه الممارسات تضمن له حضورًا دائمًا وذيوعًا كبيرًا، وشهرة ومالا وصداقة وعلاقات وثيقة برجال الأعمال وعلية القوم. لهذا لن تُثمر أية محاولة لإثنائه عن هذه الممارسات بالنصح والإرشاد والقول الحسن، وسيظل يأكل بعمامته كما كانت صاحبات الرايات الحُمر يأكلن بأثدائهن. والحل أن يُواجهه الأزهر بشكل حاسم، وأن يتصدّى له المفكرون وأصحاب الرأي بالحجة والمنطق، وأن يخضع للقانون كما يخضع غيره. المهم أن نضع نقطة عاقلة في آخر سطر مصطفى راشد "المُختل".
مصطفى راشد مع نجيب ساويرس في حفل افتتاح مهرجان الجونة السينمائي