اتزان

الخميس، 11 أكتوبر 2018 05:41 م
اتزان
هبة العدوي تكتب:

متعة أن تخرق أحد الحواجز، وأن تجرب شيئا جديدا غريبا لم تألفه من قبل، وأن تذهب للديسكو أو تركب موتوسكيل أو عندما تتعلم فن الحياة، وأنت تساعد غيرك دون تقاضي أي أجر مقابل ذلك، وأنت تمارس متعة العمل التطوعي في سبيل الله.
 
دعوني أقص عليكم تلك الحواديت الثلاث، التي تبدو أنها لا تشبه بعضها بعضا طبقا للنظرية الشهيرة "المتدين شكله، وغير المتدين شكله وربنا يهديه"، فمن وجهة نظري أن الحقيقة ليست كذلك وستجد رأيي في نهاية الثلاث أقصوصات السريع.
 
(1)
هاجر عمي منذ سنوات طوال  للولايات المتحدة الأمريكية، وأصبح أولاده أمريكيّ الجنسية والهوية واللغة، لم أفعل ما فعله رغم توفر فرص السفر أكثر من مرة، وأدعو الله ألا يضطر أولادي يوما أن يفعلوا مثله مهما كانت الإغراءات المادية والمعنوية، فالوطن والعيش فيه قيمة لا توازيها أي قيمة اخري، والحياة المجتمعية وسط أهلك وأحبابك متعة لا مثيل لها، لكن إن فقدت حريتك داخل وطنك وصار سجناُ لن تجد مفرا سوي الهرب حتي تجد إنسانيتك والتي أيضا لن تجدها دون أرضك فتتوه وتزل قدمك باحثا عن مكان يجمع بين حريتك المنضبطة ووفائك لوطنك.
 
وطنك حيث ناسك وأرضك، أن تتعب فتجد ألف يدٍ حانية تطبطب عليك، أن تفرح فتجد من يشاركك سعادتك، أن تشعر بالوحدة فتأخذك قدماك ذائبا في دفء شوارعها، أن تقول "آه" فتجد ألف يردون: سلامتك .
 
أن تقع في محنة فتجد حولك مصريين لا تعرفهم، لكن ما جمعك بهم هو جدعنتهم، وشهامتهم رأس مالهم وطيبتهم أحد أهم أسلحتهم في مواجهة الفقر والمرض والحياة الصعبة، ليست كلماتي "شوفونية" كما يدعي البعض، لكنها وصف سريع للغاية لمجتمع كان مهداً للحضارة وفجراً للضمير كما قال الكاتب هنري بريستد في كتابه عن مصر "فجر الضمير"، أما  قوانين "ماعت " فهي عبارة عن اخلاقيات قامت عليها حضارة قدماء المصريين.
 
جاء عمي وأولاده في زيارتهم السنوية، وخلال حوارنا معا- وكنا وقتها في فترة الثانوي- فوجئنا أنهم لم يذهبوا لأي ديسكو في نيويورك.. قد تتعجب لذكر الديسكو لكنه وقتها كان أغرب مكان يمكن لشباب أن يذهبوا له، وافق أبي أن نذهب لكن اشترط الذهاب له من الساعة الخامسة حتي الثامنة في فصل الصيف، بالطبع كان إختيار الوقت معناه أننا سنكون هناك بمفردنا، ذلك كان ذكاء منه في الموافقة مع إشتراط الميعاد.
 
*
(2)
في آخر سنواتي الجامعية كانت كل صديقاتي قد أتممن إما عقود زواجهن أو علي وشك، وكنت بمفردي مازلت علي العهد الذي أخذته علي نفسي إن لم اجد من يمتلك قلبي ويبهر عقلي فلن أتزوج، فمنذ متي والزواج مؤسسة سهلة البناء حتي اتزوج "وخلاص" كما يقولون، وعلي ذلك ولأن صديقاتي كلهن كن منشغلات فلقد قررت السفر ولو بمفردي.. حجزت في رحلة لشرم الشيخ وكان معي فيها أفراد من الدفعة أعرفهم معرفة الزملاء، فيما بعد الرحلة صرنا أصدقاء.. أمتع ما في تلك الرحلة كان تجربة الطيران بموتوسكيل علي الطريق ليلا والذهاب لشرم الشيخ البلد، وصعود جبل سانت كاترين فجراُ في شهر فبراير حيث السقيع  ونزولنا منه ظهرا، ورؤية جبل موسي الذي تجلي الله له فيه لسيدنا موسي وكيف دُك دكا.. تاريخ مصر مهد الأديان ممتليء بالجمال تماما كقطع أرابيسك تتمازج فتصنع قطعة فنية لا مثيل لها في الدنيا بأكلمها.
 
كسر إحدي الحواجز وتجربة أي شيء جديد دون تهور مهلك للحياة، ممتع ويُحفَر داخل الذاكرة فيما بعد سافرت لإيطاليا خلال عملي أيضا بمفردي.. السفر ذاته متعة ومعرفة ناس جديدة متعة هو كمتعة رؤية شروق الشمس لا يُمل منه أبدا مهما تكرر .
*
(3) 
قررت بداية العمل التطوعي لخدمة الناس من حولي بفضل من الله في نهاية عشريناتي.. بدأ الأمر بمساعدة اي شخص في الشارع.. الإبلاغ عن أعمدة الإنارة المفتوحة.. طفل صغير لا يتجاوز الرابعة يذهب لمدرسته بمفرده أراه متخبطا بين السيارات أنزل وأقفل علي أولادي سيارتي باحثة له عن أي مواصلة تجعله يذهب لمنزله آمنا، حتي منّ الله عليّ بالإلتحاق بالعمل التطوعي في المسجد الذي كنت أحفظ فيه القرآن، ووقتها كنت أشعر كما لو أنني أطير بجناحين من السعادة والشوق بين الأطفال داخل أروقة المسجد أساعد هنا، واصنع لعبة من ورق تدخل الفرحة علي قلوب الأطفال هناك، حتي قابلني الغربان السود واللائي قفلن باباً من رحمةٍ واسعةٍ وسعادةٍ غامرةٍ كان فتحه الله لي إسمه "العمل في سبيل الله".. هناك كانت احد أهم الأماكن التي رأيت فيها الله عزوجل، رأيته بقلبي الذي أكرمني الله بأن يفيض فيعطي غيره، فرده الله لي سعيداً مهما كان وجعه، وفرّج عنّي من حيث لم أكن أحتسب ورزقني بفيوضات من السكينة عرفت فيها طعما للسعادة لم أري مثله.
 
**
في الاتزان في الحياة سعادة "بين كسر القيود والحفاظ علي الحدود"، "بين الجنون والتعقل"، "بين الأخذ والعطاء"، هذا الإتزان الذي يرسخ لمفهوم الوسطية والتي لا تعني أبدا الأمور الوسط بين أمرين، بل تعني "الإرتقاء دوما" لحل أفضل متزن بين تطرفين متناقضين.. هذا المفهوم الذي يسهل تطبيقه في الحياة إن أردنا، ويصعب جدا بل يستحيل إن تطرفنا.
 
حل أسمي يتجاوز الحل الوسط القائم علي مجرد التعايش معاً.. لا يقدم فيه أي طرف تنازلات كما في الحلول الوسط، بل يرتقي ويسمو الجميع إلي حيث مكسبنا جميعاً معاً، حيث تعاوننا الإبداعي، وحيث الرقي الحضاري الإنساني، وحيث تفاصيل يومية عديدة يجمعها خيط واحد وغاية واحدة، هي رؤية محبة الله مهما إختلف المكان والزمان وتقلبت الحياة.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق