قوات مكافحة الردح والنفاق

الأربعاء، 06 فبراير 2019 12:47 م
قوات مكافحة الردح والنفاق
مختار محمود

لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ، لهجرتُ الموادَّ النظرية في مراحل تعليمي الأولى، ولكرهتُها كراهية التحريم ولطلقتُها ثلاثًا وما أرهقتُ نفسي في حفظ المُعلقات وضبط القوافي وألفية "ابن مالك"، وما أتعبتُها في التنقيب في تاريخ الأمم وطبائع الشعوب، وما أجهدتُها في قراءة النظريات السياسية؛ فلم يعدْ لها قيمة ولا جدوى، ولاجتهدتُ في دراسة المواد العلمية وتبحرتُ فيها؛ لسببين مُهمين، أولُهما: ضمانُ مُستقبل عملىٍّ أكثرَ أمانًا واستقرارًا حتى الموتِ، في ظل الوتيرة المُنتظمة والمُتسارعة لتعطل الصحفيين عن العمل في السنوات الأخيرة، وانضمامهم قسرًا إلى طوابير المُتعطلين، أو الالتجاء قهرًا إلى أعمال صعبة ومُرهقة مثل: اللجوء لـ "أوبر" و"كريم" للعمل كـ"سائقين"، بهدف توفير الأعباء الأساسية، وتأمين حياة صغار لم يشبُّوا بعدُ عن الطوق، ولن يجدوا سوى الشارع مرتعًا واسعًا للضياع.
 
أما السببُ الثاني والذي يفوقُ الأولَ أهميةً، فهو أنني كنتُ سأسعى إلى تحقيق خدمةٍ إنسانيةٍ للبشرية، ربما تجعلنى جديرًا بالحصول على جائزة "نوبل" في العلوم، وحينئذٍ سوف يقترنُ اسمي بالراحل العظيم الدكتور "أحمد زويل"، والأديب العالمى الراحل "نجيب محفوظ"، ويعيشُ أولادي فخورين بذكرى والدهم.
 
المُنجزُ العلمىُّ الذي كنتُ سوف أسعى إلى تحقيقه يتمثلُ في تشكيلِ فريقٍ علمىٍّ رفيع المستوى ومُتخصص في "علوم الوراثة"، والاعتكاف سنينَ عددًا؛ للوصول إلى طريقةٍ علميةٍ سليمةٍ ناجزةٍ، تُمكِّنُ العلماءَ من استئصال "جين الردح" عند الإناث، و"جين النفاق" عند الذكور، لتطهير الأجيال الجديدة من أسوأ ظاهرتين أخلاقيتين على الإطلاق تسكنانِ الشخصية المصرية وتتوغلان فيها.
 
أعلمُ أننا- "أنا وفريقي العلمي"- كنا سنواجهُ صعوباتٍ ومُعوقاتٍ غيرَ عادية لإنجاز تلكَ المهمة العلمية الأخلاقية الجليلة والتاريخية في آنٍ واحدٍ.
 
إحدى هذه المعوقات، من دون ترتيب، هي: أن "الجينين المذكورين"، ربما يكونان الأقدمَ في الشخصية المصرية على وجه التحديد والأكثرَ التصاقًا بها مقارنة بغيرهما، ومن ثمَّ.. فإنَّ التمكنَ من استئصالهما نهائيًا، بلا رجعة، أمرٌ لن يكون سهلًا يسيرًا، مهما توافرتْ الأجهزة المُختبرية الحديثة والعقولُ النابهة الجهنمية، وربما تطلبَ الأمرُ التعاونَ مع فرقٍ علمية من خارج البلاد، وقد نواجهُ صعوبة في جلبهم، لا سيما أن "الردح" و"النفاق" من طبائع المصريين والمصريات فقط، ولا نظيرَ لهما في البلاد المتقدمة علميًا والراقية أخلاقيًا.
 
أما المعوِّقُ الثانى، فهو لا علاقة له بما نسعى إلى تحقيقه على الصعيد العلمي، ولكن ربما واجهنا قراراتٍ فوقية تحولُ دونَ البدء في هذا الإنجاز العلمى من الأساس، بدعوى أنه لا يمكنُ بأي حال من الأحوال تخيُّل المصريين دون "ردح نسائي" و"نفاق ذكوري"، باعتبارهما من لزوم ما يلزمُ، ولا يمكن الاستغناءُ عنهما لدواعٍ كثيرةٍ، لا تعلمونَها، اللهُ يعلمُها، كما أننا كنا سنواجه حروبًا شعواء وتسفيهًا وتجريحًا وتخوينًا من أراذل القوم.
 
"جين الردح"، بمفهومه الشعبي، لا ينحصرُ في فئةٍ من الإناث دون غيرها، فهو قرينُ المرأة الجاهلة والمُتعلمة، تربية الحواري، وربيبة القصور، العاطلة وذاتِ المنصب الرفيع، وكلَ يوم تحملُ لنا وسائلُ الإعلام ومواقعُ التواصل الاجتماعى مشاهدَ رديئة لفنون الردح وأدواره في الحياة المصرية، باعتباره وسيلة مُجدية وحاسمة لإهانة وتشويه وتسفيه الخصم "اجتماعي/ سياسي".
 
وقد لا يكونُ الردحُ لغرضِ شخصي في "صدر صاحبته"، ولكنَّ هناك رداحاتٍ يتم استئجارُهن لإنجاز مثل هذه المهامِّ الرخيصةِ بنجاحٍ منقطع النظير.
 
أما "جين النفاق".. فهو إكسيرُ الحياة عند قطاعاتٍ كبيرة من "الذكور"، به ومن خلاله يعيشون، وبدونه سوف يفقدونَ أدوارَهم ومهامهم التي وهبوا أنفسَهم لها، وسوف تصبحُ جيوبُهم المنتفخة، بأثر النفاق، خاوية فارغة، وأرصدتهم بالبنوك صفرية، ولطافوا الشوارع يستجدون ما يُقيمون به أصلابَهم ويسترون به عوراتِهم.
 
النفاقُ.. واحدٌ من السلوكيات المصرية الأصيلة، ومن خلاله يُحققُ المنافقُ معدومُ الموهبة مرذولُ القيمة في شهر، ما يستحيلُ على الموهوب تحقيقه طوال عمره كله، ولو شاخَ وعاش من العمر أرذلَه.
 
من المؤكدِ.. أنك صادفتَ أحدَ هؤلاءِ المنافقين داخل جهة عملك، ولمستَ مكرَه ولؤمَه ومناوراته، وكيف يترقى الدرجة وراء الأخرى؛ لأنه يتنفسُ كذبًا وتدليسًا للحقائق، وتزييفًا للواقع، وإيذاءً لزملائه، وانبطاحًا لرؤسائه.
 
هؤلاء المنافقونَ هم من يزينونَ لرؤساء العمل، الحقَّ باطلًا والباطلَ حقًا، والظلم منهجًا، والقسوة أسلوبًا، وبسببهم سقطتْ مؤسساتٌ كانت راسخة وسوف تسقطُ، وانهارتْ شركاتٌ كانتْ كبرى وسوف تنهارُ، وأفلستْ كياناتٌ كانت ضخمة وسوف تفلسُ.
 
وأعتقد أن هذا الفريق العلمي- تحت رئاستي الفذَّة المتفردة- لو تمكن من تنقية الجينات المصرية من هذين الجينين الخبيثين، لتحولتْ مصرُ إلى "مدينةٍ فاضلةٍ"، تسكنها الملائكة، ويهجرُها المنافقون، ويغادرها الردَّاحاتُ إلى أماكنَ تليقُ بهما في آخر المنحدر وفى أقصى القاع وفي أدنى الأرض.
 
وشخصيًّا.. كنتُ سوف أحصلُ حتمًا على جائزة "نوبل" في العلوم، ولكن ما لا أعلمه بعدُ هو: هل كنتُ سوف أعيش حرًا طليقًا في وطني، أم يتم مصادرة الجائزة، وتجريسي وإهانتي وطردي شرَّ طردة من بلدي عملًا بالآية الكريمة: "أخرجوا آلَ لوطٍ من قريتكم، إنهم أناسٌ يتطهرونَ"؟!.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة