حبة الغلة.. الموت في غفلة الحياة
الجمعة، 28 فبراير 2025 04:48 م
عبد الحليم محمود
في لحظة خاطفة، يتخذ شاب أو فتاة قرارًا لا رجعة فيه، يبتلعون "حبة الغلة"، تلك الحبة القاتلة التي تحولت إلى شبح يطارد زهرة العمر. لحظة واحدة من اليأس تكفي لإنهاء كل شيء، وكأن الحياة لم تعد تستحق المحاولة. لكن السؤال الحقيقي ليس عن الحبة نفسها، بل عن الأسباب التي دفعتهم إليها، عن الفراغ الذي ملأ أرواحهم، وعن المجتمع الذي لم يسمع صراخهم الصامت.
اليأس ليس وليد لحظة، بل حصاد تراكمات، إحباطات متكررة، أحلام تتكسر على صخور الواقع، شعور بالعجز أمام تحديات الحياة. لكنه ليس قدرًا محتومًا، بل عارضٌ يمكن تجاوزه، شرط أن يجد الشاب يدًا تمتد إليه، عقلًا ينير له الطريق، وقلبًا يؤمن به قبل أن يحكم عليه.
الذين ينهون حياتهم بهذه الطريقة هم في العادة أبناء مرحلة التفتح، حيث العواطف المتأججة، والطموحات الكبيرة، لكنهم في الوقت نفسه قد يكونون بلا وعي ديني أو ثقافي يحميهم من لحظة الانكسار. الدين، عندما يُفهم بعمق، ليس مجرد طقوس، بل درع يحمي الإنسان من السقوط في هاوية اليأس. إنه الإيمان بأن لكل محنة حكمة، ولكل ليل فجر، وأن الحياة ليست عبثًا، بل رحلة لها معنى حتى في أشد لحظاتها قسوة.
لكن ماذا عن المجتمع؟ أين الأسرة التي يفترض أن تكون الحصن الأول؟ أين المدرسة التي يفترض أن تُعلّم أبناءها كيف يواجهون الحياة لا كيف يحفظون المقررات؟ أين رجال الدين الذين يجب أن يقدموا خطابًا قريبًا من الشباب، لا دروسًا جوفاء بعيدة عن واقعهم؟ أين الإعلام الذي يكرس الإحباط بدلًا من أن يفتح نوافذ الأمل؟
الشباب لا يحتاجون إلى من يلومهم، بل إلى من يفهمهم. إلى من يقول لهم: "لسنا هنا لنحكم عليك، نحن هنا لنساعدك". يحتاجون إلى حوار حقيقي، إلى لغة تحترم عقولهم، إلى قصص تُروى لهم عن الذين كادوا يسقطون ثم وقفوا من جديد، عن الذين ظنوا أن النهاية حتمية، فاكتشفوا أن أجمل فصول حياتهم لم تُكتب بعد.
حبة الغلة ليست مجرد مركّب كيميائي قاتل، بل رمزٌ لمشكلة أعمق. مقاومة هذه الظاهرة لا تكون فقط بمصادرة المادة السامة، بل بإطفاء اليأس من القلوب قبل أن يتجذر، بإعادة بناء وعيٍ ديني وثقافي يحصن الشباب، وبخلق بيئة اجتماعية تمنحهم الأمل بدلًا من أن تدفعهم إلى الهروب.
في أواخر التسعينيات، عانت اليابان من أزمة انتحار حادة، لكن بفضل إجراءات مثل برامج الدعم النفسي في المدارس، تعديل قوانين العمل، وتركيب حواجز زجاجية في محطات القطارات، نجحت البلاد في خفض معدل الانتحار بنسبة 40%.
فنلندا جعلت المدارس خط الدفاع الأول، عبر إدراج الصحة النفسية ضمن المناهج الدراسية، وتوفير مختصين نفسيين في المدارس، مما ساعد في تقليل معدلات الانتحار بين الشباب.
فرضت فرنسا رقابة على كيفية تغطية الإعلام لحالات الانتحار، وأطلقت حملات توعوية تستهدف الشباب، مما ساعد في كسر "عدوى الانتحار".
لم يكن الانتحار شائعًا في التاريخ العربي كما هو اليوم. في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية، كان الفكر الفلسفي والتعاليم الدينية والثقافة العامة تدعم فكرة الصبر والتحدي بدلًا من الاستسلام. حتى في أصعب الفترات، كان يُنظر للحياة على أنها اختبار يجب تجاوزه بالإيمان والعمل.
لكن في السنوات الأخيرة، برزت حالات مؤلمة مثل الشاب الذي ألقى بنفسه من برج القاهرة، وهو نموذج لحالة يأس وصلت إلى ذروتها دون أن تجد من يمد لها يد العون.
المعركة ليست ضد الموت، بل ضد الأسباب التي تجعله يبدو خيارًا مغريًا للبعض. والأمل ليس وهمًا، بل حقيقة تحتاج فقط إلى من يضيء الطريق إليها.