أبطال بلدنا

الجمعة، 09 يونيو 2023 08:30 م
أبطال بلدنا
شيرين سيف الدين

على مدار التاريخ تذخر مصر بكنوز بشرية من أبطال الرياضة الفردية الذين يحققون إنجازات كبيرة في المنافسات الدولية، ويحصلون على المراكز الأولى ليكونوا سببا في رفع علم مصر عاليا وترديد نشيدها الوطني أمام العالم أجمع إعلانا لانتصار أحد أبناءها على أبطال العالم في إحدى المنافسات الرياضية الهامة.
 
جميعنا يعلم جيدا أن أغلب هؤلاء الأبطال استطاعوا الوصول إلى القمة بجهودهم الذاتية دون دعم يُذكر من الاتحادات الرياضية، وهو ما نتمنى أن يتغير مستقبلا فالبطل الرياضي يتكلف الكثير من أجل الحفاظ على لياقته البدنية وصحته الجسدية والنفسية والحصول على التدريبات اللازمة لتطوير نفسه وتحسين قدراته، ويعاني الكثير من أهالي الأبطال من مصروفات وتكلفة صناعة بطلهم الذي يرفع اسم مصر عاليا ويضعها على القمة، في حين أن بعض الدول تخصص ميزانيات طائلة كي تنتج بطلا واحدا من أبناءها ومع ذلك قد لا تستطيع، فتبدأ في اللجوء إلى فكرة التجنيس وشراء الأبطال كي يمثلوها في المنافسات الدولية، ومع الأسف يقع الاختيار في كثير من الأحيان على المتميزين من أبناء مصر، ولا شك أن البعض يضعف أمام الإغراءات ليست فقط المادية بل أيضا المعنوية والحصول على الرعاية والاهتمام والتقدير لجهودهم وتميزهم، فالعنصر البشري المصري منذ فجر التاريخ وهبه الله جينات متميزة في كافة المجالات سواء رياضية أو علمية أو فنية، ولا يعد هذا كلاما مرسلا بل مدعم بالدليل والبرهان والأعداد والإحصائيات والجوائز والمراكز التي يحرزها المصريون في شتى المجالات على مر الزمان.
 
وعلى الرغم من أن البعض يشير إلى أن الأجواء العامة طاردة للكفاءات وأن الأبطال يفتقدون الانتماء مع مرور الوقت إلا أن تلك الأقاويل عارية من الصحة، فأمام كل بطل اختار الرحيل هناك المئات بل الآلاف باقون حبا وانتماءا لأرضهم، فهم لا يشعرون بالفخر إلا حين ترتفع راية مصر ويتردد اسمها ونشيدها الوطني بأعلى صوت إعلانا لانتصار أحد أبناءها بالرغم من ضيق الحال والصعوبات التي واجهتهم حتى الوصول لهذه اللحظات العظيمة والتي تعني لهم الكثير على المستوى الشخصي والوطني.
 
لقد تابعنا مؤخرا أحد من قرروا التخلي عن اللعب باسم مصر بحجة عدم تلقي الدعم اللازم والبدء في اللعب باسم دولة أخرى أكثر دعما ورعاية للأبطال، إلا أنه لم يستطع الفوز ولا الانتصار على أبطالنا المصريين بالرغم من ظروفهم وأوضاعهم مقابل ظروفه ووضعه الجديد الذي تصور البعض أنه سينقله إلى قمة القمم وهو ما لم يحدث على أرض الواقع.
 
أعلم جيدا أن لكل إنسان حقه في الاختيار ولا لوم على أحد بسبب قراره الخاص، وبالرغم من كل شيء إلا أننا قد نضع الأعذار للبعض ونتفهم حالة الضعف واليأس التي وصلوا إليها بسبب الإهمال الذي يواجهونه من مسؤولي بعض أو أغلب الاتحادات الرياضية المسؤولة عنهم، وأيضا الظلم الذي يواجهه العديد من الأبطال مما يؤدي في بعض الأحيان إلى عزوفهم عن ممارسة الرياضة وتكملة المسيرة لا بإسم مصر ولا غيرها.
 
وإن أردنا الحديث بإنصاف فعلينا الاعتراف أن الإهمال وعدم التقدير لا يتوقف عند مسؤولي الرياضة فقط، بل أن هناك لوما كبيرا على وسائل الإعلام وبخاصة المرئية، بسبب التقصير الواضح من جهة مقدمي البرامج الشهيرة وتجاهلهم إبراز هؤلاء الأبطال تقديرا لجهودهم، فأغلب البرامج لا تصب اهتمامها إلا على صغائر الأمور، ولا تلقي الضوء إلا على فضائح الفنانين ومشاهير الإنترنت وقصص زواجهم وطلاقهم أو حتى نجاحات بعضهم وأخبارهم، وينصب اهتمامهم في مجال الرياضة على كرة القدم فقط.
 
ومن العجيب حقا أن البرامج التليفزيونية لم تتابع أخبار إنجازات أبطالنا الرياضية التي تحققت بشكل شبه يومي مؤخرا، ولم تشير من بعيد أوقريب لأي إنجاز رياضي إلا فيما ندر، في حين أنه من المفترض أن تتصدر تلك الإنجازات افتتاحيات البرامج، على أن تلحقها استضافة لهؤلاء الأبطال ولقاءات تشعرهم بتقدير المجتمع لهم وتفتح لهم المجال للحديث عن تجربتهم وعن المشكلات التي يواجهونها لعلهم يجدون من يسمعهم ويهتم بحلها، كما أن أمثال هؤلاء يستحقون أن يصبحوا هم ال "تريند" والقدوة التي نتمناها لأبناءنا، ومصدر لإلهام الأجيال الجديدة.
 
من الملفت مؤخرا أيضا انتقاد أغلب مقدمي البرامج لدور الدولة والمسؤولين الرياضيين بسبب هروب بطل رياضي مصري، ووجه أغلبهم الاتهامات بسبب ما واجهه البطل من إهمال أدى إلى هربه ولديهم كامل الحق في كل كلمة بالطبع، إلا أنهم نسوا أو تناسوا أن يلوموا على أنفسهم ويعترفوا بتقصيرهم في آداء دورهم تجاهه هو وأمثاله من المتميزين، فقد ساهموا أيضا في شعورهم بالإحباط حين لم يذكروا يوما إنجازاتهم ولم يعلنوا فوزهم ولم يفكروا من قبل في استضافتهم وتنجيمهم كما يفعلون مع من لا يستحقون لمجرد أنهم حصدوا ملايين المشاهدات على الانترنت، فأين هو دور الإعلام من أبطالنا؟.
 
والتساؤل الهام هنا هو ألم يتابع محررو البرامج في الأيام الماضية كم الإنجازات الرياضية التي حققها المصريون؟.. هل أشاد أحدهم بهؤلاء الأبطال وساهم في إعلام المشاهدين بأسماءهم والمراكز التي حصلوا عليها بالرغم مما حققوه من إنجازات في أسبوع يعد عالمي للرياضة المصرية، ففي ٣١ مايو فاز سيف عيسي بالميدالية البرونزية لبطولة العالم للتايكوندو للمرة الثانية على التوالي، وفي 3 يونيو كان الموعد مع التاريخ والذهب بفوز الواعد مهند شعبان بالميدالية الذهبية لبطولة كأس العالم للخماسي الحديث والتأهل إلى اوليمبياد باريس 2024، وفي 4 يونيو فازت بنت الـ19عام شهد سامي بالميدالية البرونزية لبطولة العالم للتايكوندو بأذربيجان لأول مرة لسيدة مصرية منذ 18 عام، كما احتل بطل كأس العالم محمد حمزة المركز الثاني في التصنيف الأوليمبي لسلاح الشيش المؤهل إلى أوليمبياد باريس 2024، كل تلك الإنجازات وما سبقها من إنجازات لا تعد ولا تحصى في رياضات مختلفة حققها أبطال مصر والناس لا يعلمون، لم يسمع عنهم أحد ولم يهتم بإبراز بطولاتهم برنامج.
 
أتمنى من كل قلبي أن نلتفت بكل قوة لكل مصري ناجح ومجتهد ومثابر استطاع أن يرفع اسم بلده عاليا، وأن نشعره بتقدير مجتمعه له ولو معنويا، فأمثال هؤلاء يصارعون بشدة للحفاظ على مستواهم وللصمود أمام المغريات المادية والتقدير الخارجي  حباً وانتماءا لًوطنهم ولأهل وطنهم.
 
وإذا أردنا اللوم على أحد فيا عزيزي كلنا مقصرون، فلنصبح نحن الإعلام المنصف لهولاء ولنملأ صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بنا بصورهم وأسماءهم والإشادة بهم كي يعلموا أن وراءهم شعبا يساندهم ويفخر بهم، وهذا أضعف الإيمان.
 
كل التقدير والاحترام والدعم والمحبة لكل بطل وبطلة مصرية في كل مجال وفقهم الله وسدد خطاهم.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق